جدل في الأزهر حول فتوى القرضاوي بإباحة تناول مشروبات تحتوي نسبة كحول ضئيلة
2008-04-14
القاهرة - شريف عبد الغني
فجرت تصريحات رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الداعية الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي لـ «العرب» قبل أيام التي أفتى فيها بإجازة تناول مشروبات تحوي كمياتٍ ضئيلة من الكحول المتشكل طبيعياً جراء التخمر في العصائر الطبيعية جدلاً واسعاً بين علماء الأزهر.
ففيما أيدها بعض العلماء <لكونها اجتهاد يلائم روح العصر ويراعى المصلحة والتيسير على المسلمين لرفع الحرج عنهم»، اعتبرها علماء آخرون «بأنها قد تفتح الباب لتحليل المحرم بدون سند شرعي»، وتحفظ فريق ثالث على هذه الفتوى مطالباً بعرضها على مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أو مجمع الفقه الإسلامي؛ لدراستها وإبداء الرأي الشرعي فيها من خلال الاجتهاد الجماعي؛ حتى لا تحدت البلبلة والخلافات في المجتمعات الإسلامية.
وكان الدكتور القرضاوي قد قال: إنه «ليس هناك مانع من تناول المشروبات التي تحتوي نسباً ضئيلة من الكحول التي تتشكل طبيعيا بفعل التخمر»، وقال: «إن وجود ما نسبته خمسة في الألف من الكحول لا أثر له في التحريم؛ لأنها نسبة ضئيلة جداً خاصة إذا كانت بفعل التخمر الطبيعي، وليست مصنعة ولذلك لا أرى حرجاً من تناول هذا المشروب».
فمن جهته وفي تعليقه على الفتوى قال الدكتور عمر القاضي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو الأمانة العامة لرابطة الجامعات الإسلامية إنني أؤيد هذه الفتوى؛ لأنها تتفق مع القاعدة الشرعية القائلة بأن (المشقة تجلب التيسير) فضلاً عن ذلك فإن ظروف الحياة المعقدة التي تموج بكثير من المستجدات تحتاج إلى اجتهاد وتجديد ومراعاة لفقه الواقع وإيجاد الأحكام التي تتناسب مع روح العصر؛ حتى لا يتعرض المسلمون إلى المشقة خاصة أن المسلمين الذين يعيشون في مجتمعات غير إسلامية تعرض لهم كثير من الأغذية التي تحتوى على نسب صغيرة من الكحول فلهم أن يتناولوها، خاصة إذا كانت هذه الأغذية من الضروريات وليس من الكماليات، وذلك من باب رفع الحرج والمشقة عنهم.
وأضاف أما إذا كانت تلك الأغذية أو المشروبات من الكماليات فيجب التحرز منها؛ لأن عدم تناولها لا يضر الإنسان.
وأضاف الدكتور عمر إن الأدوية التي تحتوى على نسبة من الكحول فإن تناولها جائز؛ لأنها تعد من الضروريات حتى وإن كانت من المقويات.
من جانبه انتقد الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة فتوى الشيخ القرضاوي مؤكداًَ أن هذه الفتوى لا أساس لها من الصحة، وليس لها أي سند شرعي يدعهما من قرآن أو سنة أو اجتهاد.
وقال الشيخ البدري: إنه لدينا أساس وقاعدة شرعية واضحة في هذا الأمر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وبالتالي فلا يوجد مسوغ للقول بأن تناول الشراب أو الطعام الذي به نسبة ضئيلة من الكحول حلال، وذلك لأن أي نسبة من الكحول مهما كانت ضئيلة فإنها لو وضعت في أي طعام أو دواء يكون حراماً، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم) وقوله صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله ولا تداووا بالمحرم). وتابع الشيخ البدري قائلا: فإذا كان هذا -بالنسبة للدواء بالمحرم- منهيا عنه فما بالنا بالأكل أو الشراب العادي الذي لا يشكل دواءً.
واختتم الشيخ البدري: قائلاً إن تحديد نسبة من الكحول واحد أو اثنين أو خمسة في المائة لا أساس لها في الشرع الإسلامي الحكيم، حتى وإن كان العلاج ضرورة فلم يبح فيه المحظور، وذلك بخلاف إن كان أحد سيموت أو به غصة فإنه هنا يباح له أن يشرب الخمر؛ ليسيغ اللقمة، ويأكل الميتة؛ ليبقى على قيد الحياة، وهذه ضرورة تقدر بقدرها.
أما كلاً من الشيخ محمود عبد الغني عاشور وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية والدكتور أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بجامعة الأزهر بالقاهرة فقد أبديا تحفظهما على فتوى الدكتور القرضاوي مطالبين بعرض مثل هذه الفتاوى على المجامع الفقهية لدراستها وإبداء الرأي الشرعي فيها من خلال الاجتهاد الجماعي حتى لا تحدث البلبلة والخلافات في المجتمعات الإسلامية.
وقال الشيخ عاشور إن مثل هذه الأمور تحتاج إلى اجتهاد جماعي خاصة إذا كثر الخلاف بين العلماء حول حكم فقهي اجتهادي، وبصفة عامة فإن مسألة الخمر ومشتقاتها التي تدخل في الأدوية أو الأغذية التي يتناولها المسلم يجب أن تحكمها القواعد الشرعية التي جاءت في ذلك، منها مثلا (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
أما الدكتور السايح فقد أكد أن مثل هذه الفتاوى تحتاج لإجماع العلماء عليها خاصة أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم واضح في هذه القضية (ما أسكر كثيرة فقليله حرام)، وبالتالي فليس من المعقول أن يجعل كل إنسان لنفسه نسبة معينة في تناوله للمسكرات، أو إننا نجد أن هناك بعض الناس تفرض الضرورة عليهم تناول بعض الأشياء التي تحتوى في تركيباتها على مواد مسكرة، وعموماً فالأمر تجب إحالته إلى مجمع البحوث الإسلامية أو المجامع الفقهية الأخرى.