الطريق إلى «المصالحة الوطنية» في العراق: النموذج اللبناني أم الصومالي أم الفلسطيني؟ (2)
فاضل الربيعي
2009-03-17
قد يبدو النموذج العراقي في سياق تحليل النماذج الثلاثة التي شهدت، وخلال مختلف المراحل، مصالحات وطنية بين الأطراف المتنازعة (لبنان، الصومال، فلسطين) متفرداً أو أن له خصوصية شديدة، وذلك بفعل قوة «خصوصية الحالة العراقية» من المنظور التاريخي. ومع ذلك، فإن نمط التسوية السائد سوف يجعل منه نموذجا شبيها ومتماثلا إلى حد بعيد مع النماذج الأخرى. في هذا الإطار، تجري هذه الأيام في الأوساط السياسية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية في العراق، أحاديث وحوارات واتصالات «جانبية» نشطة، تصب كلها تقريبا في مجرى واحد، وتكاد تلتقي عنده الكثير من الأفكار والتصورات الخاصة بمسألة المصالحة الوطنية. واللافت في كل هذا، أن واشنطن التي شجعت على سن قانون «اجتثاث البعث العراقي»، ترعى بنفسها -ومن طرف خفيّ- اتجاهاً يدعو إلى إلغاء هذا القانون، كخطوة أولى على طريق تحقيق تسوية، تؤدي في نهاية المطاف إلى إطلاق «عملية سياسية جديدة» تمكن كل الأطراف الفاعلة من الجلوس مرة أخرى إلى طاولة حوار وطني موسع.
وتؤكد المعلومات المتداولة، أن الرئيس الأميركي أوباما، اتصل مؤخراً برئيس الوزراء نوري المالكي، وطلب منه «وقف كل التدابير القانونية» الخاصة بمحاكمة وملاحقة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء في النظام السابق. ويبدو من جملة مؤشرات، أن الإدارة الأميركية الجديدة، راغبة بقوة في «رؤية طارق عزيز طليقاً ومن دون تأخير».
إن فهما متعمقا لمشروع الانسحاب الأميركي في أغسطس 2010 وأبعاده وحدوده، وما إذا كان انسحابا حقيقيا أم شكليا، يجب أن يربط بين الانسحاب وإطلاق عملية سياسية جديدة تؤدي إلى المصالحة. وبكلام آخر، يجب أن نلاحظ كيف أن الانسحاب العسكري -كما بينا في النماذج الثلاثة- تحول إلى قوة دفع لها زخم خاص، يمكن أن تعجل في طرح «مشروع التسوية بين العراقيين».
ولذلك يجب طرح السؤال المحرج التالي: هل تؤدي أي مصالحة وطنية في النماذج الأربعة (بإضافة العراق لاحقا) إلى بقاء البلدان الأربعة موحدة جغرافيا بعد إعادة توحيدها سياسيا؟ لنلاحظ، أن جوابا صحيحا للسؤال المطروح يتطلب مراعاة الوقائع التالية:
أولا: أن النموذج الصومالي يتبلور على أرضية تسوية سياسية، يراد لها أن تلعب دورا حاسما في توحد أطرافه المختلفة، ولكنه يتبلور كذلك وفي الآن ذاته فوق أرضية انقسامه جغرافيا، فهناك ثلاثة «صومالات» على الأقل، تتوزع بين قبائل وجماعات سياسية (أرض الصومال، وبونت لاند، والصومال الإثيوبي أو ما يعرف بإقليم أوغادين). لقد تشكلت هذه الدويلات بقوة السلاح، وهي اليوم تتجه إلى التشكل «كدويلات مدن» يمكن أن ترتبط، بعضها مع بعض في وقتٍ تالٍ، بوحدة سياسية من نوعٍ ما، ولكنها في أي حال لن تؤلف كيانا موحدا يعيد للصوماليين «صومالهم القديم». لقد جرت في النهر مياه غزيرة، ودماء غزيرة أيضا، يصعب تصور أن الصومال الجريح قادر على اجتيازه دون ثمن غالٍ.
ثانيا: النموذج الفلسطيني يتبلور هو الآخر فوق الأرضيات ذاتها، فهناك نزوع إلى تحقيق «وحدة وطنية» سياسية بين الفصائل، ولكنه نزوع محكوم بقوة «الانقسام الجغرافي» بين إدارتين في غزة ورام الله، أي بين «دويلتي مدينة». وفي النهر الفلسطيني جرت بغزارة مياه ودماء لا سبيل إلى تجاهل مخاطر عبورها نحو عودة فلسطين إلى الفلسطينيين.
ثالثا: النموذج اللبناني سبق سائر النماذج المذكورة في التشكل، كنموذج «لدويلات مدن» بقوة الأمر الواقع، وهو نموذج هش على نحو يدفع المرء إلى توقع «تفككه» في أي لحظة. إن زائر بيروت هذه الأيام سيلاحظ وبسهولة، كيف أن «تقطيع» أوصال العاصمة اللبنانية بالحواجز الإسمنتية (التي وضعت بحجة حماية القيادات في قريطم مثلاً) شبيهة بجدران بريمر التي نصبها الأميركيون في كل شارع بحجة «حماية القيادات والمؤسسات» من الهجمات الإرهابية، لكن أحداً لا يستطيع اليوم إزالتها حتى مع تلاشي خطر الإرهاب، بل إن الحكومات المتعاقبة قامت بتحويلها إلى جدران شاهقة في محاكاة ماكرة للجدار الإسرائيلي. وذلك ما ينبئ بمخاطر تفكك النموذج اللبناني، وتحوله إلى ما يشبه «اتحاد دويلات مدن» موحدة سياسيا، لكنها منقسمة جغرافيا.
رابعا: النموذج العراقي يسير بخطى حثيثة نحو التبلور كنموذج فيدرالي، حتى مع هزيمة «الفيدراليين» في الانتخابات المحلية. ولعل القرار الذي أصدره محافظ النجف أثناء مراسم عاشوراء قبل أسابيع، هو من بين سلسلة خطوات لإنشاء فيدراليات الأمر الواقع، فالمحافظ أعلن بوضوح أن «من يرغب في زيارة النجف للمشاركة في مراسم عاشوراء، يمكنه الحصول على تأشيرة (فيزا) في مطار النجف»؟ أما في البصرة، فحتى مع وقوع هزيمة منكرة للفيدراليين، فإن التدابير على الأرض تؤكد أن البصرة تتجه نحو «الفيدرالية» وذلك هو مغزى قرار محافظها بناء شبكة طرق وجسور تربط منطقة التنومة بإيران، وصفوان بالكويت دون العودة إلى الحكومة المركزية، وهو أمر يتيحه له التشريع الخاص بمجالس المحافظات.. فعن أي مصالحة وطنية يتحدث العراقيون؟
إلى حلقة أخرى من أجل فحص ومعاينة هذا الخيار.