2009-01-30
خابت آمال الحكومة الباكستانية في أن توقف الإدارة الأميركية الجديدة الهجمات الصاروخية على منطقة القبائل، ووجدت نفسها أمام تصريح واضح لا لبس فيه لوزير الدفاع روبرت غيتس أمام لجنة القوات العسكرية في مجلس الشيوخ الأميركي الثلاثاء الماضي، يؤكد أن الولايات المتحدة ستواصل مطاردة عناصر تنظيم القاعدة «أينما كانوا»، وأن إسلام آباد أبلغت بالموضوع.
الإدارة الأميركية المؤمنة بأن عناصر «القاعدة» و « طالبان» أقاموا قواعد خلفية في شمال غرب باكستان على الحدود مع أفغانستان، مصرة على مواصلة الطائرات بدون طيار لغارتها ضد الأراضي الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، وبذلك وضعت حكام باكستان في مأزق صعب جدا، لم يعد معه التأكيد على أن الضربات الصاروخية تأتي بنتائج عكسية على جهود إسلام آباد في مكافحة الإرهاب والتطرف، يجدي نفعا في الداخل والخارج، لأن تصريح غيتس تزامن مع صدور دراستين، الأولى عن «معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية» بلندن تشير لاتساع دائرة الخلاف بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية الباكستانية حول التعامل مع الهجمات والحد من تنامي العناصر المسلحة في المنطقة القبلية، موصية بضرورة تدخل أميركا وحلف الشمال الأطلسي «الناتو» لإجبار القيادة العسكرية الباكستانية على محاربة المسلحين أوالتدخل للقيام المهمة.
والثانية صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب التابع للجيش الأميركي، حذرت من الانتشار الواسع لما سمته بـ «الفكر السلفي الجهادي» في باكستان، داعية لضرورة التصدي له، لأنه السبب في ارتفاع عدد العمليات الانتحارية بباكستان في السنوات الثلاثة الماضية.
الرئيس الباكستاني آصف زرداري بعد أن فقد الأمل في واشنطن، لإيقاف الهجمات على شمال بلاده، توجه لسفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى إسلام آباد، ملتمسا منهم أن تبدل دولهم جهودها لإقناع الإدارة الأميركية بوقف الهجمات المشار إليها، لأنها تواجه رفضا داخليا واسعا من المواطنين، فضلا عن استغلالها من طرف الجماعات المتشددة المنضوية تحت حركة «طالبان الباكستانية» الداعمة لتنظيم «طالبان» أفغانستان و «القاعدة» لاستقطاب شرائح شعبية لجانبها.
لكن خطوة زرداري لن تأتي بنتيجة، لأن واشنطن لم ولا تعبأ بالرأي الأوروبي في «استراتيجيتها لمحاربة الإرهاب» بل هو تابع لها بشكل من الأشكال أقلها الصمت.
كما أن واشنطن لن تقبل فيما يظهر من دول أوروبا في المرحلة المقبلة إلا الانخراط في الاستراتيجية المشار إليها خاصة في أفغانستان، في شق الإعمار والصحة العمل المدني بعدما لم تتجاوب مع مطلب زيادة عدد الجيوش والمساهمات المالية، على أن تتكلف الولايات المتحدة بالجانب العسكري والقتالي.
وواضح أن القرار الأميركي أربك الحكومة الباكستانية التي تعاني من أزمات وإشكاليات كبيرة، لم تستطع معالجتها في ظل ضيق هامش التحرك لديها، فهي محاصرة بين مشاكل الداخل والخارج، فبالإضافة لإشكالية الهجمات المشار إليها، والوضع المتفجر في منطقة القبائل، والأزمة غير المنتهية مع الهند بسبب ملف كشمير وتداعيات هجمات مومباي، هناك مشاكل داخلية عويصة تحاصر حكومة حزب الشعب وعلى رأسها:
- قضية القضاة الذين أقالهم مشرف وعلى رأسهم رئيس المحكمة العليا افتخار التشودري، وهي القضية التي لا تزال حركة المحامين تشتغل عليها بقوة وبوتيرة متصاعدة، مستفيدة من دعم بعض الأحزاب السياسية خاصة حزب نواز شريف.
- تفضيلها المنطق الحزبي في التسييرالحكومي بدل المنطق السياسي، وإخلاف الحزب الحاكم لوعوده مع الشركاء السياسيين.
- تذمر أحزاب سياسية كبيرة من التدبير الحكومي للقضايا الخارجية والداخلية بما فيها ملف الحرب على الجماعات المتشددة، وعلى رأس المتذمرين حزب الجماعة الإسلامية وحزب الرابطة الإسلامية جناح نواز شريف اللذان قد يرفعان إلى جانب أحزاب إسلامية أخرى سقف المعارضة في المرحلة المقبلة والنقد لأداء حكومة رضا جيلاني.
- الوضع الاقتصادي والاجتماعي المزري جدا، وضعف القدرة الشرائية للباكستانيين المرجح تدهوره أكثر مع الأزمة المالية، الأمر الذي جعل الرئيس زرداري يطالب الولايات المتحدة بزيادة مساعداتها الاجتماعية لبلاده.
- وجود خلاف بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية حول عدد من الملفات وفق ما ذكرت وسائل إعلامية
أمام هذا الوضع تطرح أسئلة عديدة نفسها، هل ستتنازل حكومة حزب الشعب وتقبل ببعض شروط حزب نواز شريف على وجه التحديد للعودة إلى الحكومة في إطار شراكة سياسية، للحيلولة دون تفجر الوضع الداخلي، وإزالة مبررات عودة البدلة العسكرية لسدة الحكم؟ وهل ستعود الحكومة لتنفيذ ما قررته لجنة برلمانية سابقا من نهج لاستراتيجية شمولية لمحاربة التطرف من بين آليتها الحوار مع المسلحين، واستثمار وساطة الزعماء القبليين في هذا السياق لسد باب جهنم، القتال والهجمات الانتحارية والإرهابية؟ ألا تضع واشنطن حليفتها الاستراتيجية في محاربة الإرهاب على كف عفريت باختيارها التدخل المباشر وضرب أراض باكستانية؟ ألا تحرجها مع مواطنيها الذين يبلغ عددهم 160 مليون نسمة بتعقيداتها القبلية والعرقية.
وحدها الأيام والشهور المقبلة الكفيلة بالجواب عن هذه الأسئلة وغيرها، لكن الأمر المؤكد أن باكستان اليوم توجد على فوهة بركان.