2009-01-27
لم يترك خطاب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما في حفل تنصيبه «الإمبراطوري» أثراً مدوياً في أي مكان من هذا العالم مثلما فعل في العراق، وقد بلغت الأصداء ذروتها حين أطلق وزير الدفاع العراقي، وفور انتهاء أوباما من خطابه، تصريحات أكثر إثارة حين قال «إن الجيش العراقي جاهز بنسبة %90 لمواجهة أي انسحاب أميركي سريع من العراق». وبالطبع، فقد أضافت التصريحات العراقية الرسمية إلى الأجواء السائدة درجة واحدة ولكنها كانت كافية لرفع حرارة الميزان، وليعم نوع من الهلع الجماعي بين السياسيين، بل ولتفجير «لغط» لم يهدأ بعد.
كل القصة وما فيها، أن المسؤولين العراقيين فهموا أن عبارة «الانسحاب المسؤول من العراق» تعني «الانسحاب السريع»، ولأن الجدل لا يزال يدور حول معنى الجملة، فقد اتضح أن التباين في الآراء كان محدوداً للغاية بين السياسيين، فهم يتفقون على أن «الأميركيين يُبيّتون أمراً ما» وأنهم «قد يفاجئون العالم كله بانسحاب سريع»، وهو ما يعني أن سيناريو «الانقلاب العسكري» أصبح قابلاً للتطبيق. ولقد تسنى لي خلال الأيام القليلة الماضية متابعة تداعيات ونتائج النقاش حول هذه العبارة، وبعض المعلومات الواردة من بغداد تقول إن الخطاب خلق «ضجة في المنطقة الخضراء» لا سابق لها، فالسيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، كما يقال، غادر بغداد إلى عمّان بسرعة، وفور وصوله العاصمة الأردنية قصد منزل القائد السابق للحرس الجمهوري من أجل أن يسأله السؤال التالي: قلْ لي بالله عليك، هل حقاً إنكم تدبرون «انقلاباً عسكرياً»؟
ويبدو من جملة معطيات أخرى، أن عبارة «سوف نترك العراق لشعبه» تعني عند بعض المسؤولين العراقيين أن «الأميركيين على وشك خيانة أصدقائهم». هذا الهلع الجماعي من عبارة «غامضة» يكاد يكون دون معنى، فقد سبق للقادة الميدانيين الأميركيين أن قالوا وفي مناسبات مختلفة «إن الانسحاب من العراق سوف يخضع للمعطيات على الأرض»، كما أن أوباما نفسه قال في أكثر من مناسبة أثناء حملاته الانتخابية إنه «يريد انسحاباً سريعاً»، فلماذا يُثار كل هذا اللغط، ومِمّ يخاف «سكان المنطقة الخضراء»؟
ثمة الكثير مما يقال في هذا الصدد، ويمكن إجماله في التالي:
أولاً: إن القوات المسلحة في العراق ليست مهيأة بالشكل الكافي والصحيح لمواجهة استحقاق «الانسحاب الأميركي السريع»، وكل ما يقال عن استعداد هذه القوات «لملء الفراغ» هو من قبيل تهدئة المخاوف وطمأنة النفوس، والواقع الفعلي على الأرض يشير، على الضد مما يُزعم، إلى وجود ثغرات ونواقص خطيرة، ولولا ذلك، لما أثارت تصريحات أوباما كل هذا القدر من الذعر واللغط.
ثانياً: إن عبارة «الانسحاب المسؤول» يمكن توظيفها في سياق رد الفعل الأميركي على قرار البرلمان العراقي بربط المصادقة على الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن بإجراء استفتاء شعبي في يوليو القادم، وهو أمر أثار حفيظة الأميركيين الذين كانوا يرغبون «بمصادقة غير مشروطة» على الاتفاقية الأمنية. في الواقع تم تمرير الاتفاقية بالتلازم مع تمرير قرار الاستفتاء، وهو ما يعني أن قوة إقليمية ضغطت على الحكومة والبرلمان من أجل ربط الاتفاقية بالاستفتاء، وذلك للتأكد من «صدق النوايا»، فإذا ما سار أوباما في عهده الجديد على طريق تنفيذ وعوده بالتغيير، فإن الاستفتاء الشعبي يمكن أن يصبّ في صالح تثبيت الاتفاقية «شعبياً»، وصدق النوايا هنا لا يعني سوى «الالتزام بعدم مهاجمة الجيران»، وإذا ما أخلَّ أوباما بالتزاماته ووعوده بالتغيير، وعاد إلى نهج سلفه بوش وواصل سياسة التصعيد بدل الحوار، فإن تعطيل الاتفاقية الأمنية يصبح أمراً وارداً ومحتملاً، وبهذا المعنى، سوف يواصل الأميركيون من الآن حتى يوليو القادم، إشهار «سيف الانسحاب السريع» ومقايضته بتعطيل «فكرة الاستفتاء»: ألغوا الاستفتاء وسنلغي «الانسحاب السريع».
ثالثاً: إن هذه العبارة موظفة بالكامل لإرسال رسالة واضحة إلى بغداد -ومن خلفها طهران- بأن واشنطن لن تسمح بصعود قوى «معادية لسياستها» في الجنوب والوسط خلال انتخابات مجالس المحافظات، وأن تطوراً خطيراً من هذا النوع غير مسموح به، والمعلومات المؤكدة القادمة من الجنوب، تشير إلى احتمال فوز مرشحين محليين أكثر موالاة لطهران من «زملائهم في بغداد»، وفي هذا الإطار سوف يواصل الأميركيون للترويج لسيناريو «الانقلاب العسكري» لمنع صعود قوى محلية بعينها في الجنوب.
رابعاً: من الواضح أن سيناريو «تسليم العراق لشعبه» قد يعني -كما ارتأى جيش المجاهدين في بيانه الأخير- «تسليم العراق للعملاء»، أي الحفاظ على النظام السياسي الراهن، لكنه يمكن أن يعني «القبول بقوى أخرى» قد تكون خليطاً من «بقايا النظام السابق» وقوى مسلحة تناهض الاحتلال. وفي هذه الحالة، يتوجب أن ينصرف النقاش لا إلى عبارة «الانسحاب المسؤول»، بل إلى معنى عبارة «تسليم العراق لشعبه»، إنها عبارة حمّالة أوجه، تمنح الأميركيين إمكانية التلاعب بالعراقيين موالين ومناهضين.
قبل الاحتلال بسنوات، قال وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر لطارق عزيز «إن العراق سوف يعود إلى العصر الحجري»، ولكنه لم يقل، قط، إن هذا البلد التعيس سوف يعود إلى عصر «الانقلابات العسكرية».