2008-06-13
حاوره: يوسف محمد بناصر
أكد المفكر المغربي سعيد شبارأن العقل المسلم فقد قدرة الإبداع والاجتهاد معتبرا أن الأصل في هذا العقل أن يكون سابقا لإبداع المعارف وإنتاجها وليس فقط مجرد الانفتاح والتعرف عليها.
واعتبر رئيس مركز دراسات المعرفة والحضارة في حواره مع «العرب» أن اللحظات المهمة التأسيسية والتجديدية ضاعت بسيادة النظرة التجزيئية للتراث ،بدل اعتماد رؤية تكاملبة، تقرأ التراث كما هو لا كما نريده أن يكون.
وأوضح سعيد شبار أن تيار الصحوة تراجع عن الأسئلة الكبرى التي طرحها المؤسسون الأوائل حول النهضة والتقدم والوحدة والإصلاح.
وانتقد شبار انصراف هذه الطائفة إلى قضايا ومدافعات ميدانية جزئية وانقسامات طائفية وحزبية، لا تتغيا البناء وإعادة الإنتاج.
وفي سياق حديثه عن الحداثة أشار الباحث الاكاديمي أن هذا المفهوم حمل من القيم الغربية السلبية ك «النزعة الفردانية والحرية المطلقة، والعقلانية الأداتية، وتحطيم وتجاوز المقدسات والمطلقات والقيم والأخلاق... إلخ»، وليست هذه قيما صالحة للبشرية كلها، ولهذا يمكن الاشتغال على مفهوم الحداثة أكثر نقدا وإعادة توجيه لتغليب القيم الإيجابية على السلبية كما يفعل نقاد غربيون كثيرون.
التراث والفقه
كما تعلمون لا تزال بعض الكتب التراثية هي المصدر المركزي للفتوى، والمرجع الأساسي للعقل الفقهي المعاصر عندما تعترضه نازلة من النوازل، فهل التراث ومدوناته يشكلان عائقا في انفتاح العقل المسلم على معارف جديدة؟
ليس المشكل في الكتب التراثية، فهذه كانت اجتهادا لزمانها ومكانها، وليس عيبا أن نرجع إليها متى كانت الإفادة متحققة منها وما نريده منها قادر على استيعاب ما نطرحه عليها من مشكلات معاصرة. المشكل في اعتقادي هو في العقل المسلم الذي فقد قدرة الإبداع والاجتهاد واستئناف البناء على تلك الاجتهادات استيعابا وتجاوزا، فهي تعوقه ما دام مرتبطا بالزمان والمكان. أما انفتاح العقل المسلم على المعارف الجديدة فلا ينبغي أن يعوقه عن ذلك شيء فهذا مطلوب بأصول الشرع لا فروعه، والأصل في العقل المسلم أن يكون سابقا لإبداعها وإنتاجها وليس فقط الانفتاح والتعرف عليها.
في أغلب البلدان الإسلامية توجد مؤسسات دينية ومراكز بحثية، فهل هذه المؤسسات لها دور فعال في خلق حراك معرفي وتجديدي في الأمة؟
هذه المراكز والمعاهد قليلة وكثير من ذلك القليل لا روح تجديدية فيه، إذ يشتغل على استهلاك التراث بشكل آلي ميكانيكي ويدور في فضاء مغلق ونهائي، والبعض الذي يطرح التجديد يطرحه شعارا وليس انخراطا في البناء، بناء الرؤية والعلوم والثقافة بما يدعم ويوجه حركة النهوض في الأمة في سياق التحديات والواجبات الراهنة والقليل من يفعل ذلك خصوصا من له إصدار [كتب، ودوريات] منتظمة وتكوينات علمية ومنهجية للباحثين في هذا الاتجاه.
هل فعلا النص المؤسس في الثقافة العربية والإسلامية قادر اليوم على أن يكون له دور في إحداث نهضة إسلامية، بدون الاستفادة من المناهج الإنسانية الحديثة؟
النص المؤسس له دور التوجيه والإرشاد والإلهام والهداية وكثير من العلوم التي نشأت حوله أو كان حافزا ودافعا إليها، وإذا سلمنا أن النص وحي من الله والإنسان والكون خلق الله فلا تعارض إطلاقا بين قوله وخلقه، ومن ثم فالعلوم الإنسانية ومثلها الكونية إذا انتفت عنها أشكال التحيز والانتماء وقل التوجيه الذي يمكن أن تمارسه عليها ثقافة [إيديولوجية] ما لصالحها، واتجهت رأسا إلى الإنسان كل إنسان والكون والطبيعة، فلن يكون ثمة إشكال بين النص والعلوم فالنص نفسه بناء علمي والكون والإنسان بناء نصي. ولا يمكن لحركة البناء الجديد أن تكون جديدة ومستوعبة إلا إذا انطلقت من النص المطلق الذي يمنحها الاستيعاب والقدرة على الاستمرار في الزمان والمكان، وإلا كنا أمام تكرار تجربة تاريخية جديدة سواء كانت تجربتنا أو تجربة غيرنا لا تغير من واقع الحال شيئا.
هل قراءة المشتغلين للتراث الإسلامي كانت انتقائية، ولم تكن تطرح إشكالات تكاملية؟
نعم للأسف قرئ التراث قراءة تجزيئية انتقائية عبر عنها بعض الكتاب بالمذبحة، فهنالك من لم ير في التراث إلا نزعات مادية أو أخرى ليبرالية أو «فنية» مجونية استبدادية دموية أو عقلانية متحررة أو سلفية نصية وهكذا.. بمعنى آخر أننا لم نكن أمام قراءات للتراث بقدر ما كنا أمام إسقاطات على هذا التراث ومصادرات له من خلال قناعات وتوجهات القارئ، ولهذا ضاعت اللحظات المهمة التأسيسية والتجديدية التي يمكن الاستفادة منها في هذا التراث سواء كانت في هذه الجهة أو تلك.. ولا يسعف في هذا إلا قراءة تكاملية تقرأ التراث كما هو لا كما نريده أن يكون.
ماذا يمكن أن يقال عن المشاريع الفكرية العربية التي لم تتمكن من التنزل على أرضية الواقع؟
هذا سؤال لاحق بسلفه، فعدم القدرة على تنزيل أي مشروع من تلك المشاريع راجع إلى عدم تحققه بشرط الواقعية أي اللحظة الراهنة والمعاصرة التي يعيشها المجتمع [دنيا وثقافة وحضارة]، وذلك بسبب اغترابها في الماضي وإقامتها هناك تحكي عن النماذج القديمة أو اغترابها في حاضر الآخر نحكي عن نماذجه الحديثة دون قدرة على تكييف هذه أو تلك لتجعلها صالحة لزمانها ومكانها. ومن ثم كانت هامشيتها وانزواؤها إلى الظل.
اشتغل تيار الصحوة على عدة أسئلة تهم مستقبل الأمة الإسلامية، من مثل الحرية، الديمقراطية، المرأة.. فهل هذه الأسئلة والانشغالات الفكرية كانت عميقة ومنهجية؟
تيار الصحوة للأسف تراجع عن الأسئلة الكبرى التي طرحها المؤسسون الأوائل [الأفغاني، عبده، رضا، الكواكبي، ابن باديس، أرسلان..] والمتعلقة بالنهضة والتقدم والوحدة والإصلاح ينخرط فيها الجميع تحولت الاهتمامات إلى قضايا ومدافعات ميدانية جزئية وانقسامات طائفية وحزبية، وحتى المواضيع الفكرية فهي تطرح من باب السجال مع المكونات الأخرى، لا من باب البناء وإعادة الإنتاج لهذا فالتعبير الفكري والثقافي يبقى ضعيفا وغير عميق لدى هذه الحركات إذ هي حركات دعوية واجتماعية وسياسية، تجتهد في هذا الاتجاه صحيح.. لكنها ليست حركات تجديد فكري وبحث علمي، فهذا له آليات اشتغال أخرى تكبتها هذه الحركات.
هل ما قام به عقل المسلم المعاصر من عملية مراجعة ونقد،كافية لإصلاح الواقع العربي- الإسلامي، أم أنه لا بد من مواصلة العملية بطريقة أخرى؟
ما قام به العقل المسلم المعاصر من مراجعات غير كاف على الإطلاق وهو في بداية الطريق. ما زلنا في مرحلة الوعي بالأزمة وما زال الخلاف عندنا حول أسبابها ومكوناتها وتشخيصاتها، نحتاج إلى طور من أطوار الدورة الحضارية –حسب ابن نبي- للتوافق والانطلاق من أرضية ثابتة لولوج مرحلة البناء والبدائل، ولو كانت هنالك تنسيقات أو اشتغال بطريقة تكاملية بين مراكز البحث والجامعات والمؤسسات في القطر الواحد وفي الأقطار الإسلامية لتم ربح واختزال كثير من الجهود والأوقات، لكن للأسف هنالك، التكرار والاشتغال الفردي أو المركزي وهذا بطيء جدا في عملية التغيير.
الأديان والحوار الحضاري:
كل يوم تزداد الطائفية ويستقطب التفسير الظاهري للدين أغلب الناس، ومعه يزداد تحمس الشباب لتطبيق مفاهيم من مثل الحاكمية والجهاد والخروج على المجتمع.. فهل هذا يعني أن المشروع الإصلاحي والوحدوي العربي-الإسلامي فشل وأن المجتمع بدأ حالة الفوضى؟
أعتقد العكس، داخل العالم الإسلامي مفاهيم مثل الجهاد والحاكمية والخروج عن المجتمع ليست ذات استقطاب كبير، وإن كانت موجودة بأقدار مختلفة في هذا البلد أو ذالك، وهذه الحركات لا تقود مشروع الإصلاح وإنما تقوده حركات أخرى تؤمن بالحرية والديمقراطية والحقوق والمشاركين وما إلى ذلك. ورغم ذلك أنا أقول هناك طائفية من نوع آخر ليست بالضرورة جهادية قتالية ونصية ظاهرية وإنما «طائفية فكرية» حتى وإذا كانت اجتهادية، أي تلك التي تجتهد لنفسها وكيانها ونظامها وتحصر عالم وجودها في شرعيتها ومحيطها، تتحرك بنفس الفئة والطائفة وليس بنفس الأمة وإن حملت همومها. فلا تشتغل مثلا على إعادة بناء مداخل الوحدة والتوحد بين الأمة فكرا وثقافة وعقيدة وسلوكا وقيما حضارية، أو النهوض بفكر الأمة بما يجعله مواكبا ومستوعبا للتحديات، فعالمها وعملها إصلاحي ميداني في الغالب.
يتساءل البعض عن علاقة أحداث العنف في العالم المعاصر بالأديان السماوية، فكيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
الأصل في الأديان نبذ العنف لا تشريعه، وتهذيب وتشذيب سلوك الإنسان العدواني وردع وزجر نوازعه الأنانية، بما يجعله صالحا في نفسه ومصلحا في مجتمعه، أي أداة بناء وتعمير لا أداة هدم وتدمير. فالعدوان إذن من الإنسان لا من الأديان، ومن نسب شيئا من ذلك إلى الدين فبما حرفه وبدله هذا الإنسان من الدين، أو بما فهمه فهما سيئا من الدين. فالقرآن والسنة مثلا لم يشرعا القتال إلا دفاعا عن النفس أو ردا لعدوان وليس كما يفهم البعض اعتمادا على فهم لا أساس له تحت راية آية اسمها «آية السيف» تجب كثيرا من الحقوق والحريات والأخلاق التي هي عماد الدين.ولو تكاملت الأديان فعلا في دائرة ما هو مشترك بينها وهو كثير وعلى رأسه تحريم القتل، لصينت دماء كثيرة من الهدر.
يتخوف المسلمون من خوض تجربة المشاركة في العولمة، فهل هذا الخوف نابع مما تحمله العولمة من منظومة قيم، ولماذا يطرح مفهوم العالمية بديلا؟
الأمة وهي في حال الضعف تدخل شاءت أم أبت العولمة من أسوأ أبوابها، أي كونها مستهلكة ومتلقية ومتأثرة بكل منتوجات العولمة صناعية وفكرية وفنية... وغيرها، لذا فمن موقع الضعف ليس لها خيار، لذا فمن يناقش الدخول من عدمه كمن ينتظر قطارا ارتحل منذ ساعات.
أما العالمية فهذا مفهوم لم ينل حظه من البناء الفلسفي بما يجعله كليا شموليا مستوعبا استيعاب الرسالة التي تؤطره. فضمر هذا المفهوم أمام سيادة مفاهيم معارضة [فرقة، طائفة، مذهب، حزب، جماعة..]، أي تلك التي تتمركز حول الذات ولا تنفتح على العالم، فلو استطاع المسلمون تقديم مفهوم العالمية للناس بالشكل الذي يسعهم، وبالقيم التي تعتبر كينونتهم لكانت خير بديل عن تسلط وهيمنة العولمة الآن.
كانت المركزية الحضارية قائمة في الشرق العربي، وكان الفقهاء يقسمون العالم إلى دار كفر (دار إيمان، ودار سلام) دار حرب، اليوم عادت المركزية للغرب، فلماذا نؤاخذهم في المقابل على التصنيف الذي يتداولونه من مثل الغرب والشرق، الجنوب والشمال..؟
التقسيم الفقهي التاريخي لدار الحرب ودار الهجرة ودار السلم، أو دار الكفر ودار الإيمان.. كان محكوما بسياق تاريخي، عندما لم تكن للمسلمين إلا دار واحدة هي دار سلمهم وإيمانهم وأمنهم، أي تلك التي يتواجدون فيها وكان خروجهم منها خروج إلى عدوهم أو إلى حيث ينعدم أمنهم وسلمهم، وهذا التقسيم تم تجاوزه تاريخيا ولا مبرر لوجوده ما دام المسلمون في كل العالم آمنين سالمين ربما في ديار غيرهم أكثر من ديارهم، والعكس صحيح كذلك، أي وجود الغربيين كذلك في كل بقعة من العالم، فمفهوم المواطنة الآن مستوعب وإجرائي أكثر من أي مفهوم آخر ولا مبرر لا للذات ولا للغير بتصنيفات عرقية أو استعمارية.
يكثر الحديث عن تبيئة المفاهيم الوافدة إلى الثقافة العربية-الإسلامية، أفلا يمكن إبداع مفاهيم ترتبط بجغرافيتنا وتجربتنا الثقافية؟
الأصل هو لإبداع المفاهيم من صميم التجربة والتاريخ والهوية والثقافة بكل ما تحمله من غنى وتعدد وقيم إنسانية تشاركية، لكن أيضا لا بد من التعامل الإيجابي مع المفاهيم الأخرى والتي تفد من كيانات حضارية أخرى، وهو تعامل يقوم على أساس الفحص والمراجعة التي يسميها البعض: تبيئة أو دمجا واستيعابا أو تقريبا أو غير ذلك، وكلها عبارات تشير إلى ما ينبغي فعله تجاه هذه المفاهيم -إن اقتضى الأمر- من إعادة بنائها رؤية وتصورا أو إجرائية وظيفية بما يجعل دورها بنائيا لا إلحاقيا، وهنالك مقترح طريف لو كانت القدرة عليه وهو إعادة التسمية من داخل المعجم العربي بدل الترجمة الميكانيكية أو التعريف غير الوظيفي.
في الحداثة وما بعدها
أسئلة الحداثة وما بعدها مرتبطة بالقلق المعرفي/الفلسفي والأنطولوجي الغربي، أي أنها نتاج سياق تاريخي معين، فهل من الطبيعي أن يستورد المفهوم ويوظف بدون سياقه الطبيعي وبيئته؟
صحيح أن المفاهيم تبقى مرتبطة بمجالها التداولي الأول لكن يمكن إعادة بنائها من جديد والإفادة من الهوامش الكثيرة التي تسمح بها. أما أن يوظف المفهوم كما هو بكل حمولته الدلالية فهذا يقتضي أن تكون هذه الحمولة على قدم كبير من الحياد، والحال أن كثيرا من المفاهيم ليست كذلك.
ومفهوم الحداثة حمل من القيم الغربية الشيء الكثير، وحمل مما هو سلبي الشيء الكثير كذلك «النزعة الفردانية والحرية المطلقة، والعقلانية الأداتية، وتحطيم وتجاوز المقدسات والمطلقات والقيم والأخلاق... إلخ»، وليست هذه قيما صالحة للبشرية كلها، ولهذا يمكن الاشتغال على مفهوم الحداثة أكثر نقدا وإعادة توجيه لتغليب القيم الإيجابية على السلبية كما يفعل نقاد غربيون كثيرون.
ما هي إشكالية الحداثة مع الفكر الإسلامي؟
إشكالية الحداثة مع الفكر الإسلامي جزء من إشكالية الفكر الغربي والحضارة الغربية مع الفكر أو الحضارة الإسلامية، حيث كان الاحتكاك والاتصال بين النموذجين حربيا لا سلميا في الغالب.
لهذا فالوجه الشرس الذي قدم به الغرب نفسه للعالم الإسلامي حجب وجهه الحضاري وأسس لنزعة الرفض له، فكان كل ما يأتي منه موسوما بالكفر والإلحاد والصليبية ولو حمل قيما إيجابية. ولاتزال هذه النظرة مهيمنة إلى الآن على تيارات فكرية كثيرة ترفض بالجملة، كما توجد تيارات فكرية تقبل بالجملة، ولم نستطع بعد تقوية، لا أقول التوفيقي أو التلفيقي القائم على أساس الجمع الانتقائي بدون رؤية، ولكن أقول الاتجاه البنائي الاستيعابي الذي يبني نموذجه ويستوعب فيه نموذج الغير.
هل صحيح أن الحداثة لا تقوم إلا على أنقاض الفكر التوحيدي؟
ليست هنالك علاقة ضدية ولا ندية بين الحداثة والتوحيد. بل التوحيد له تجليات حضارية واجتماعية ثقافية وسياسية، أي هو بعد بنائي يعكس وحدة الخلق والخالق، فالأصل في الثقافة الإسلامية أن يكون التوحيد حافزا على التحديث والتنمية لا مانعا لهما، لكن لسوء فهم هذا الأصل وعدم إدراك تجلياته الاستيعابية جعل وكأنه خصم لكل أشكال المعاصرة والإبداع، من جهة أخرى قدمت الحداثة الغربية نفسها، للأسف، خصما للدين قاطعة مع كل ماض قديم، أو قل ثورة على القيم والأخلاق والتدين والمقدسات، وهذه خصومة غير حقيقية صنعها الإنسان وبإمكانه تجاوزها إذا فهم الدين فهما تجديديا مطردا وفهم التحديث والتنمية فهما تأصيليا أو قل تخليقيا مطردا كذلك.