2010-07-30
هو ذلك الذي يتصدى للعلم وهو أقل من أن يكون كذلك، وهو أقل من أن يعي ما يقول، ولا يعي أبعاد فتواه، هذا خلاف أنه لم يحقق الفتوى على أمهات الكتب وعلى مصادر التشريع من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة، وبعيداً عن هذه الرؤية تعالوا نرى كيف صار العالم جاهلاً بل وجهلاً مركباً..
كان العالم في القديم قبل سبعين عاماً هو من يقرأ ويكتب، فيكفي أن يقرأ ويكتب أحدهم ويكون مهتماً بالعلم الشرعي، ليصبح شيخاً جليلاً بين بني جنسه، لأن الفارق بين من يقرأ ومن لا يقرأ هو فارق كبير، فما بالك إذا حفظ جزءاً كبيراً من كتاب الله، وعدداً لا بأس به من الأحاديث وبعض المختصرات، كل هذا لا يخلق «عالماً» ولكنه يخلق رجلاً ليس أمياً، رجلاً يقرأ ويكتب، وربما يفتي في عصره، لكنه في هذا العصر، في وقت باتت تختفي فيه نسبة الأمية في السعودية تقريباً، ولدينا عشرات الجامعات وآلاف المعاهد والمدارس الثانوية وما فيها من تخصصات ما بين شرعي وعلمي، مع هذا كله، فإنه لا يكفي «مطلقاً» أن تقرأ وتكتب لتكون عالماً، ولا حتى حفظ بعض المتون، لأنك ستواجه أكثر من حادثة وأكثر من واقعة هي في حقيقتها تحتاج لشخص واعٍ ومدرك ما يدور حوله أكثر من شخص كان يقرأ ويكتب في مجتمع لا يقرأ ولا يكتب!
العالم الجاهل لا يمكن وضعه تحت تصنيف الاجتهاد، فالاجتهاد لا يمكن أن نضعه تحت بند التكفير، فلا اجتهاد في التكفير والإخراج من الملة واستباحة الدم والقتل والإيذاء، فهؤلاء الذين تصدوا للفتوى وهم لا يملكون من مؤهلات الفتوى إلا أنهم كانوا قبل سبعين عاماً أو ثمانين عاماً يقرؤون، وكان المجتمع لا يقرأ ولا يكتب!
العالم الآن تغير تماماً، فلا يكفي أن تعرف الأحكام الشرعية فقط (هذا إذا فرضنا أن بعضهم يملك العلم الشرعي كاملاً) بل يحتاج أيضاً لفقه الواقع والإحاطة بعلوم العصر ووقائع السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل والإحاطة بالتطورات التقنية والتحولات الاجتماعية، وأكثر من هذا الإحاطة بتطورات التقنية الحديثة، ليعي أن الفتوى الآن أكثر تعقيداً من ذي قبل. وأكثر من هذا كانوا يمارسون بعض فتاويهم العجيبة في المساجد المغلقة عليهم في مساحات ضيقة في حضور ضيق، أما الآن فإن وسائل الاتصالات الحديثة صارت تنقل ما يحدث من هذه الغرائب في ساعتها، بل هم يساهمون في نشر جهلهم بأنفسهم في مواقعهم.
الحاصل الآن هو أن بعض الجهلة يتصدون الفتوى، وقد فات القطار عليهم، ويجب أن يحالوا للتقاعد من الفتوى والعلم الشرعي -حتى وإن كانت أعمارهم لم تصل إلى سن الشيخوخة- لأنهم وبكل وضوح أقل من أن يحيطوا بالواقع الشرعي والاجتماعي، ولذلك تأتي فتاويهم مفاجآت مخزية تتناقلها وسائل الإعلام فتظهرنا أكثر غباءً وأكثر تخلفاً أمام العالم برمته.
وحسبي الله ونعم الوكيل.