2010-03-11
بغض النظر عن الفائز في الانتخابات العراقية التي جرت الأحد الماضي، فإن تلك العملية على الرغم مما شابها من تلاعب وتزوير كبيرين، فإنها سجلت العديد من المؤشرات التي لا بد للمراقب أن يأخذها بالاعتبار.
لعل أول تلك المؤشرات، هذا التراجع الكبير للقوائم الدينية التي كانت تعرف تلك الحقيقة، ما دفعها قبل الانتخابات إلى الدخول في تحالفات هنا وأخرى هناك، أملا منها في إقناع الناخب العراقي بأنها تحالفات وكتل ذات صبغة وطنية وليست دينية، كما حصل في انتخابات عام 2005، إلا أنه ورغم إعلان أغلب التحالفات أنها ذات صبغة "وطنية" وتخلي أغلب قادتها عن لغة الخطاب الطائفي، فإن العراقيين صوتوا هذه المرة وبكثافة للقوائم ذات التوجه العلماني، فقائمة المالكي "دولة القانون" طرحت نفسها ومنذ انتخابات مجالس المحافظات قبل عام على أنها قائمة وطنية ليست دينية وضمت إليها العديد من الشخصيات العلمانية والأخرى السنية، أما القائمة العراقية بزعامة علاوي، والتي حازت على غالبية الأصوات في نحو ست محافظات وبفارق كبير عن أقرب منافسيها، فإنها هي الأخرى أكدت ومن خلال التصويت لها على أن العراقيين ملوا حكم الطوائف والمعممين، وصاروا تواقين أكثر إلى حكم مدني.
لقد عرف العراقيون طيلة السنوات السبع الماضية مرارة حكم رجال الدين، وعرفوا أن مشاكلهم الأبرز بعد الاحتلال جاءت من تحت رأس تلك العمائم التي وجدت في السلطة طريقها للانتقام والثراء على حساب الشعب المظلوم، ناهيك عن قلة خبرة هؤلاء الدينيين الساسة، فلقد أشارت النتائج الأولية إلى أن قائمة الائتلاف الوطني بزعامة عمار الحكيم، باتت خارج المنافسة الحقيقية، وكذا الحال ينطبق على الحزب الإسلامي الذي تزعم قائمة التوافق الوطني، مع الإشارة هنا إلى أنه لا مجال إلى المقارنة بين الحزب الإسلامي وأمثاله من الأحزاب الشيعية، وإنما تراجعت حظوظ الحزب الإسلامي بعد أن فقد إحدى أهم ركائزه، ألا وهو طارق الهاشمي الذي شكل ثقلا واضحا في المشهد السياسي العراقي طيلة السنوات الأربع الماضية.
المؤشر الآخر الذي يجب التوقف عنده هو أن العرب السنة في العراق كانوا مدنيين إلى حد كبير، كعادتهم، وتمكنوا من نزع رداء الطائفية سريعا، فاختاروا الشيعي العلماني إياد علاوي، وفضلوه حتى على أحزابهم السنية وشخصياتهم الأخرى، لأنهم يعتقدون أن الحكم المدني وليس الديني هو السبيل الوحيد لإخراج العراق من مأزقه، فتظاهرات الفرح التي خرجت في الأعظمية والمنصور ببغداد، وهي تهتف لعلاوي أكدت أن سنة العراق ليسوا طائفيين، وأن مقاومتهم للاحتلال لم تكن بسبب ملك فقدوه، وإنما هي دفاع عن الوطن الذي احتل واستبيح على يد قوات الاحتلال ومن جاء معه من ميليشيات.
في الشمال العراقي، وتحديداً فيما يعرف بكردستان العراق، جاءت نتائج التصويت لتبرهن مرة أخرى على أن العراقيين يتشابهون في همومهم وتطلعاتهم، فلقد فقد الحزبان الكرديان، حزب الرئيس جلال طالباني ورئيس الإقليم مسعود بارزاني، قوتهما، وقاسَمهما أصوات الأكراد العراقيين حزب أو قائمة التغيير الذي أعلن عن تأسيسه قبيل الانتخابات بقيادة الرجل الثاني في حزب طالباني نوشيروان مصطفى، والذي انشق عن حزبه الأم إثر خلافات عاصفة مع طالباني وقيادات الحزب، كما حازت الجماعة الإسلامية في كردستان العراق على أصوات عدد كبير من الناخبين، مما يعني أن الأكراد لم يعودوا كما كانوا في الانتخابات الماضية، وانتفت عنهم صفة "بيضة القبان" التي كانوا يتفاخرون بها، بل حتى إن قادة التغيير وعلى رأسهم نوشيروان أعلنوا أنهم سيتحالفون بعد الانتخابات ولكن ليس مع الأكراد.
حالة أخرى أفرزتها الانتخابات العراقية الأخيرة، ألا وهي ما يعرف باسم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فلقد كشفت المنظمات التي راقبت هذه الانتخابات أن هناك تواطؤاً كبيراً من قبل موظفي هذه المفوضية وائتلاف دولة القانون، وكان الحديث عن عمليات التزوير التي حصلت كبيراً وكبيراً جداً، مما يستوجب على أي حكومة عراقية مقبلة أن تسعى أول ما تسعى إلى حل تلك المفوضية وتشكيل مفوضية جديدة على أسس مهنية واعتماد التكنوقراط، خاصة إذا علمنا أن هذه المفوضية شكلت قبل نحو ستة أعوام، في وقت كان العراق يعيش أتون الصراع المحاصصي والطائفي وحكم المعممين.
ولعل هناك حالة أخرى تجب الإشارة إليها، هي أن هذه الانتخابات كرست مقولة "التغيير المطلوب" التي ينادي بها كل العراقيين وليس أغلبهم، فلقد أظهرت نسب المصوتين أن أكثر من %62 من العراقيين ذهبوا إلى الانتخابات رغم موجة العنف التي اجتاحت مناطق بعينها في بغداد، وهي نسبة محترمة في بلد يعاني من الانقسام السياسي والعنف الدموي، إذا ما قيس ببلدان أكثر استقرارا سواء في المنطقة أو العالم.